كشفت مصادر سياسية مطلعة عن التوصل إلى تفاهمات أولية بين الحكومة اليمنية وجماعة الحوثي، برعاية وساطة عُمانية، تتضمن ترتيبات متبادلة حول ملف الطيران وعودة حكومة الشرعية إلى العاصمة المؤقتة عدن. وبحسب المصادر ذاتها، اشترطت الجماعة – المصنّفة إرهابية – تسليمَها طائرتين من أسطول الخطوط الجوية اليمنية مقابل «حزمة إجراءات»؛ من بينها الموافقة على عودة الحكومة لممارسة مهامها من عدن، التي لم تُغادرها أصلاً إلا خوفاً من بطش مليشيا لا تعترف بسلطة الدولة.
وتنطوي هذه التفاهمات – في ظاهرها الإنساني والاقتصادي – على معادلة بالغة الخطورة: حكومةٌ تُقرّ بحق مليشيا مسلحة في التفاوض على أصول الدولة ذاتها، مقابل إذن مشروط بالعودة إلى عاصمتها الاحتياطية.
سياق لا يمكن إغفاله
لا يمكن فهم هذه التفاهمات بمعزل عن المشهد الأوسع: مليشيا الحوثي دمّرت خمس طائرات تابعة للخطوط الجوية اليمنية؛ وذلك جراء هجماتها العسكرية على إسرائيل التي أفضت إلى رد عسكري إسرائيلي استهدف مطار صنعاء، ما أحرق بعض تلك الطائرات وشلّ عدداً آخر، فضلاً عن ذلك، اختطفت المليشيا ثلاث طائرات يمنية واحتجزتها قسراً في مطار صنعاء، في سابقة تُعدّ سطواً سافراً على ممتلكات عامة تمسّ يومياً أرزاق المسافرين والموظفين والمرضى الساعين إلى العلاج.
وفي هذا السياق بالذات، جاء الخبر المدوّي: منعت المليشيا – قبل أيام – أول رحلة جوية مدنية لليمنية قادمة من مطار الملك عبدالعزيز في جدة إلى مدينة المخا، مشترطةً إذناً مسبقاً لم تكن الحكومة تحتاجه يوماً في عهد الدولة الموحّدة، وهو ما يطرح سؤالاً مقلقاً: مع من تتفاوض الحكومة اليمنية – مع مليشيا ترفض السيادة أم مع طرف يمارسها فعلياً على الأرض؟
ماذا يعني هذا الاتفاق
يرى محللون متخصصون في الشأن اليمني أن ما يجري ليس وساطةً بين طرفين متنازعين بالمعنى الكلاسيكي، بل هو إضفاءُ شرعية على أمر واقع فرضته المليشيا بالقوة.
ويتساءل المحللون، هل تملك الحكومة اليمنية حق التنازل عن طائرتين تعود ملكيتهما إلى الشعب اليمني، في اتفاق لا يزال «مبدئياً» وإذا كانت تسليم الطائرتين شرطاً حوثياً للموافقة على عودة الحكومة إلى عدن، فما الذي تبقّى من هيبة الدولة ورمزية سيادتها؟
ويلفت المحللون إلى أن الحوثيين أعلنوا صراحةً تهديدهم بضرب مطار عدن ومقرات الحكومة الشرعية إذا لم يُسمح بإعادة فتح مطار صنعاء؛ ما يعني أن «التفاهمات» جاءت تحت وطأة الابتزاز المسلح، لا طوعاً في إطار دبلوماسي نديّ، وهنا يكمن الفارق الجوهري بين التفاوض ومنطق الاستسلام: حين يُقبّل المرء يد من قطع يده، فذاك ليس صلحاً – بل مجرد تأجيل للهزيمة.
الاعتراف الضمني
تُقرّ الحكومة اليمنية علناً أنها تسعى إلى استعادة الدولة؛ غير أن كل جولة تفاوض تُثبّت في الوقاع معادلةً مغايرة، دولة في المناطق المحررة تدير شؤونها المُجهَدة، ودولة أخرى – داخل الفراغ الذي أفرزته فوهة السلاح – تتمدد في الشمال والغرب اليمني، وكل اتفاق «مبدئي» على استئناف تشغيل مطار صنعاء أو مطار المخا لا يعني في حقيقته سوى شيء واحد: الإقرار بأن هذا المطار باتت تديره جهة أخرى، ليست الحكومة الشرعية.
ويتساءل محللون، ما الرسالة التي توجهها الحكومة إلى المواطنين في تعز وحجة والحديدة الذين يعيشون تحت نير المليشيا، حين ترى حكومتهم تُسلّم طائرتين لأمير الحرب مقابل إذن بالجلوس في مكتب وهل يُعزّز ذلك شرعية الحكومة أم يُسرّع في تآكلها؟
عمان وحدود الوساطة
لا يمكن إنكار الدور العُماني كقناة تواصل بين أطراف الأزمة اليمنية؛ إذ حافظت مسقط على علاقاتها مع جميع أطراف النزاع، وأدّت أدواراً في الإفراج عن أسرى واحتواء توترات، بيد أن الوساطة الناجحة لا تكون كذلك حين تُفضي إلى ترسيخ واقع بالقوة بدلاً من العودة إلى الحق.
والمخاوف الحقيقية التي يُعبّر عنها محللون تتعلق بسؤال جوهري: هل تُسهم هذه الوساطة في إيجاد حل سياسي شامل يُعيد بناء الدولة اليمنية الواحدة؟ أم أنها تُثبّت معادلة الأمر الواقع وتُضفي عليها طابعاً من القبول الدولي؟
ويقول المحللون، أن الأمل المشروع في السلام لا يُلغي واجب المساءلة؛ فالمواطن اليمني المحاصر في المناطق المنكوبة يستحق حكومةً تُفاوض من موقع المبدأ لا الحاجة، وتشترط استعادة الأصول المنهوبة شرطاً مسبقاً لكل حوار. وما لم تُبنَ التفاهمات على أرضية واضحة من سيادة القانون واحترام الدولة – لا على منطق «طائرة مقابل مقعد في عدن»، فإن أي اتفاق، مهما بدا «مبدئياً»، لن يكون سوى استراحة مليشيا على حساب دولة.


