في خطاب حمل رسائل سياسية وعقائدية حادة، حاول المرشد الإيراني خامنئي الابن، مجتبى علي خامنئي، تقديم إيران كطرف منتصر في حرب الـ38 يومًا، رغم الخسائر الكبيرة التي تعرضت لها طهران والضغوط الدولية المتزايدة عليها، في خطوة تعكس حالة مكابرة سياسية واضحة وسعيًا لإعادة ترميم صورة المشروع الإيراني أمام أذرعها في المنطقة، خصوصًا في اليمن ولبنان والعراق.
البيان الذي صدر بمناسبة مرور أربعين يومًا على مقتل علي خامنئي، لم يكن مجرد خطاب تأبيني، بل جاء كوثيقة سياسية تعكس محاولة طهران إعادة صياغة رواية الحرب، حيث أعلن مجتبى خامنئي أن الشعب الإيراني هو “المنتصر الحقيقي في الميدان”، وأن ما وصفه بـ”الدفاع المقدس الثالث” تحول إلى ملحمة تاريخية، متجاهلًا حجم الضربات العسكرية والاقتصادية التي تلقتها إيران خلال الحرب.
ويكشف الخطاب بوضوح اعتماد القيادة الإيرانية على الأسلوب الدعائي القائم على تحويل الخسارة العسكرية إلى نصر معنوي، عبر توظيف الخطاب الديني والعقائدي، واستخدام مفردات مثل “الإمدادات الإلهية” و”راية الحق” و”بزوغ قوة إيران”، في محاولة لإقناع الداخل الإيراني والمليشيات التابعة لطهران بأن المشروع الإيراني ما يزال قويًا وقادرًا على التوسع.
أخطر ما ورد في خطاب المرشد الإيراني خامنئي الابن كان رسالته المباشرة إلى دول الخليج العربي، حيث تجنب بشكل لافت تسمية الخليج العربي أو الدول العربية، واكتفى بالقول “جيران إيران الجنوبيين”، داعيًا إياهم إلى الوقوف في “المكان الصحيح” وعدم الثقة بالوعود الغربية.
هذا التوصيف لم يكن مجرد تعبير دبلوماسي، بل يحمل دلالات سياسية عميقة تعكس النظرة الإيرانية التقليدية تجاه الدول العربية في الخليج، والتي تقوم على تجاهل الهوية العربية ومحاولة التعامل معها كدول هامشية تدور في الفلك الإيراني، وهو ما يفسره مراقبون على أنه تعبير عن حساسية إيرانية مفرطة من الاعتراف بالمحيط العربي، أو نظرة دونية متجذرة في خطاب الثورة الإيرانية منذ عام 1979.
كما أن دعوة مجتبى خامنئي لما وصفهم بـ”جيران إيران الجنوبيين” إلى الحذر من الغرب والوقوف في “المكان الصحيح”، تحمل تهديدًا مبطنًا، وتكشف بوضوح أن طهران لا ترى في دول الخليج شركاء إقليميين، بل ساحات نفوذ محتملة يجب إخضاعها سياسيًا وأمنيًا.
ويأتي هذا الخطاب في سياق تسريبات إيرانية سابقة تحدثت عن خطة من عشر نقاط زعمت طهران أن الولايات المتحدة قبلتها، تضمنت مغادرة القوات الأمريكية من المنطقة ورفع العقوبات والسماح لإيران بالسيطرة على مضيق هرمز وفرض رسوم على السفن، وهو ما نفاه البيت الأبيض بشكل قاطع، مؤكدًا أن هذه الطروحات لا تعكس حقيقة المفاوضات.
هذا التناقض بين الخطاب الإيراني والواقع السياسي يعكس محاولة واضحة لصناعة “انتصار إعلامي” يهدف إلى حماية المشروع الإيراني من الانهيار، خصوصًا أمام المليشيات التابعة له، التي تعتمد بشكل كبير على صورة القوة الإيرانية لاستمرار نفوذها في اليمن ولبنان والعراق.
ويرى محللون أن خطاب مجتبى علي خامنئي يحمل رسائل طمأنة مباشرة للحوثيين وحزب الله والفصائل العراقية، مفادها أن إيران ما تزال قادرة على قيادة المشروع الإقليمي، وأن الحرب لم تُضعفها، رغم المؤشرات التي تؤكد تراجع نفوذها وتزايد الضغوط الدولية عليها.
كما يكشف الخطاب أن طهران تحاول إعادة توجيه بوصلة الصراع نحو الخليج العربي، عبر تصوير نفسها كقوة إقليمية صاعدة تسعى لفرض واقع جديد في المنطقة، وهو ما يعزز المخاوف من استمرار المشروع الإيراني القائم على تصدير الأزمات ودعم المليشيات المسلحة وزعزعة استقرار الدول العربية.
ويؤكد مراقبون أن خطاب المرشد الإيراني خامنئي الابن يعكس بوضوح عقلية المشروع الإيراني القائم على التوسع والهيمنة، وليس على الشراكة أو التعايش، حيث تسعى طهران إلى إعادة إنتاج نفوذها عبر الخطاب العقائدي والتعبئة السياسية، مستغلة حالة التوتر الإقليمي لإعادة ترتيب أوراقها.
في المحصلة، يظهر خطاب مجتبى خامنئي كجزء من استراتيجية إيرانية أوسع تهدف إلى تحويل الهزيمة إلى نصر إعلامي، وإقناع الأذرع التابعة لطهران بأن المشروع الإيراني ما يزال قويًا، بينما يحمل في الوقت ذاته رسائل مبطنة لدول الخليج العربي تؤكد أن طهران ما تزال تنظر إلى المنطقة باعتبارها مجالًا حيويًا لنفوذها، وهو ما يكشف خطورة المشروع الإيراني على أمن واستقرار العالم العربي.


