في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتجدد النقاش حول أمن الممرات المائية الدولية، أعاد مؤتمر ميونخ للأمن ملف البحر الأحمر إلى واجهة الاهتمام الدولي، ليطرح تساؤلات جوهرية حول جدوى المقاربات التي اتُّبعت لاحتواء تهديدات ميليشيا الحوثي، وما إذا كان العالم مستعداً اليوم للانتقال إلى استراتيجية مختلفة جذرياً.
شارك رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الدكتور رشاد العليمي في جلسة حوارية بمؤتمر ميونخ للأمن تمحورت حول أمن الممرات المائية، داعياً إلى تبني مقاربة دولية جديدة وشاملة تقوم على الردع وبناء مؤسسات الدولة اليمنية، بدلاً من الاكتفاء بسياسات احتواء الجماعات الإرهابية، مع التطلع إلى أن يشكّل عام 2026 محطة لتعزيز الشراكة الدولية وإنهاء التهديدات القائمة.
وتقوم المقاربة التي طرحها العليمي على ربط وثيق بين استقرار الداخل اليمني وأمن الملاحة الدولية، إذ شدّد على أن الميليشيا الحوثية لن تكف يدها عن تهديد الملاحة، وأن أي توقف مؤقت لأنشطتها لا يعني تغيير سلوكها الجوهري، محذراً من الاستمرار في الرهان على إمكانية ترويضها.
كما أشار العليمي إلى أن عمليتي «حارس الازدهار» و«أسبيدس» – الأمريكية البريطانية والأوروبية – أسهمتا في عسكرة المنطقة دون معالجة جذور الأزمة، داعياً إلى عدم الفصل بين الحوثيين والتنظيمات المتطرفة الأخرى كتنظيم القاعدة وحركة الشباب وتنظيم داعش، معتبراً أنها باتت تعمل ضمن شبكة واحدة تهدد الأمن والاستقرار على ضفتي باب المندب.
سوء تقدير استراتيجي
في تعليقه على مشاركة العليمي، رأى المحلل السياسي محمود الطاهر أن المجتمع الدولي بات يتعامل مع الملف اليمني باعتباره أمراً واقعاً، مشيراً إلى أن غياب خطاب يمني واضح حول استعادة مؤسسات الدولة دفع المجتمع الدولي إلى التعامل مع المشهد وكأن هناك دولتين: واحدة في الشمال وأخرى في الجنوب.
وأكد الطاهر أن ما كان يُوصف قبل عشر سنوات بأنه «خطر الحوثي على المملكة العربية السعودية والأمن الإقليمي» أصبح اليوم «حقيقة ملموسة يراها العالم»، لافتاً إلى أن الإعلام غطّى الطرف عن هذه الجماعة وخطورتها خلال الفترة الأخيرة، مما أضرّ بفهم المجتمع الدولي للمشهد الحقيقي.
وانتقد الطاهر ما وصفه بـ«الأولويات الثلاث» التي تتبناها الحكومة اليمنية – التطبيع والاستقرار وصرف المرتبات – معتبراً أنها تُهمّش ملف استعادة مؤسسات الدولة، مؤكداً أن الحديث عن السلام في هذا السياق ليس أقل من استسلام.
وحذّر من مخطط حوثي بعيد المدى، قائلاً إن هذه الجماعة تخطط بذكاء استراتيجي تقوده إيران، وإنها تسعى إلى إعادة تموضعها في المنطقة بمعزل عن مصير النظام الإيراني ذاته، مضيفاً: «إذا تم القضاء على إيران سيكون هناك حوثيون بطريقة أخرى، وستكون اليمن بدلاً من إيران مهددة للأمن والاستقرار الدوليين.»
المشكلة في البر لا في البحر
من جهته، أوضح مدير منصة «يمن فيوتشر» الصحفي نشوان العثماني أن العالم أخطأ حين تعامل مع هجمات الحوثيين في البحر الأحمر باعتبارها ظاهرة يمكن تطويقها بالدوريات البحرية، مشيراً إلى أن هذه الجماعة لم تتحول إلى خطر على الملاحة الدولية لأنها تملك قوة ذاتية، بل لأنها أصبحت «أداة سياسية بيد إيران» حوّلت جغرافيتها إلى ورقة ضغط إقليمية.
وأكد العثماني أن أداة الاستقرار في هذه المنطقة «كلمة واحدة فقط: هي الدولة اليمنية»، مشدداً على أن أمن صنعاء والساحل الغربي والملاحة الإقليمية لن يتحقق بالمفاوضات ولا بالخطابات، مبيناً أن مسار التسوية السلمية «مسدود أساساً ومضيعة للوقت»، وأن الحل العسكري بات الخيار الوحيد الفعلي.
ولفت العثماني إلى وجود «ضوء أحمر» يبدو مفروضاً على القيادة اليمنية يحول دون المضي قُدُماً في ملف استعادة الدولة، واصفاً هذا الواقع بأنه جزء من هندسة إقليمية معقدة أُريد بها ترويض المنطقة ضمن مصالح متشعبة.
سيناريوهات ما بعد الضربة الأمريكية على إيران
تناول الضيفان تفصيلياً السيناريوهات المحتملة في ضوء التصعيد العسكري الأمريكي تجاه إيران وما قد يُفضي إليه من تداعيات على الملف اليمني.
ورجّح الطاهر سيناريوين رئيسيين: الأول أن تنخرط الميليشيا في الدفاع عن إيران بقصف المملكة العربية السعودية وقطر والبوارج الحربية وإقلاق الممرات الدولية، وهو ما قد يكون مدخلاً لحسم عسكري نهائي ضدها. والثاني – الذي رجّحه الطاهر أكثر – أن تسعى الميليشيا إلى تحييد نفسها ظاهرياً في محاولة للإيهام بأنها مستقلة عن طهران، ثم توظيف ذلك للضغط على المملكة العربية السعودية وابتزازها مالياً، قبل أن تتجه لاحقاً نحو إسقاطها «بطريقة أو بأخرى» حين تكتمل عدتها.
وأشار الطاهر إلى ما وُصف بـ«الجزية الدولية»، إذ كشف أن شركات عالمية كانت تدفع مبالغ مالية مباشرةً لحساب المتحدث الحوثي محمد عبدالسلام في سلطنة عُمان مقابل السماح لسفنها بالمرور بأمان، في ما يُجسّد نموذجاً صارخاً لكيفية تعامل المجتمع الدولي مع «القوي المسيطر على الأرض» بدلاً من الدولة الشرعية.
أما العثماني فرأى أن القوة الدولية والإقليمية قادرة على مواجهة أي تصعيد حوثي مرتبط بضربة إيران، غير أنه نبّه إلى أن الخطر الحقيقي لا يكمن في قدرة الميليشيا العسكرية بقدر ما يكمن في «المعادلة الغريبة» التي أبقت المنطقة رهينة لتوازنات مصطنعة.
نافذة زمنية لا تُستهان بها
حذّر الطاهر من أن انتهاء مهمة فريق الأمم المتحدة لمراقبة وقف إطلاق النار في محافظة الحديدة المرتقب في أبريل المقبل يُشكّل نافذة استراتيجية ينبغي للحكومة اليمنية استثمارها للتحرك نحو استعادة السواحل والميناء، منبهاً إلى أن التقاعس سيمنح الحوثي مزيداً من الوقت لتعزيز وجوده وتسليح نفسه بأحدث التقنيات.
وأكد العثماني في ختام النقاش أن هناك مساراً مزدوجاً أمام اليمن: إما أن يسقط النظام الإيراني فيسقط الحوثي معه، وإما أن تبادر الدولة اليمنية ذاتها إلى الحسم العسكري، مستنداً إلى أن الجماعة «في حالة ضعف» الآن وأن الشعب اليمني «سيكون أكبر مساند» لأي توجه جاد نحو التحرير، شريطة أن يقترن القرار اليمني بقرار تحالف قوي وفي مقدمته القرار السعودي.


